من كتاب الدبلوماسية العلمية
بقلم الدكتور أحمد توفيق
تم تعميم مفهوم القوة الناعمة هذا في نظرية العلاقات الدولية، ولكن ليس من الواضح دائماً ما المقصود به بالضبط. حاول جوزيف ناي في كتابه القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية في عام 2004م، تقديم بعض الوضوح النظري من خلال مقارنة القوة الناعمة بالقوة الصلبة للقوات العسكرية والموارد الاقتصادية. لكنه بعد ذلك يصف القوة الناعمة بأنها “القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين”. في وقت لاحق، صقل تعريفه إلى “القدرة على التأثير على الآخرين من خلال الوسائل المشتركة لتأطير جدول الأعمال، والإقناع، واستنباط الجذب الإيجابي من أجل الحصول على النتائج المفضلة”. وفقاً لـجوزيف ناي، تتحكم الدول جزئياً في القوة الناعمة، حيث تنعكس في القيم السياسية والسياسات الخارجية، لكنها أيضا تفلت من سيطرة الدولة لأنها تعني أيضا الثقافة بشكل عام. لذلك هناك بُعدان للقوة الناعمة وهما: ممارسة حكومية مدفوعة بالمصالح بشكل أساسي وممارسة مدفوعة بالقيمة من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية.في السنوات الأخيرة، أصبح يُنظر إلى العلوم والتكنولوجيا بشكل متزايد على أنها أدوات محتملة لـسياسات القوة الناعمة. يجادل المدافعون عن الدبلوماسية العلمية بأن العلم يمكن أن يحقق أهدافاً تتماشى مع المصالح المحلية. أولاً: كثيرا ما يُقال إن “الكليات غير المرئية” للعلماء عبر حدود الدولة يمكن أن تساهم في بناء الثقة بين الأمم أو الثقافات. ثانياً: يُقال أيضا أن لغة العلم يمكن أن تساهم في اكتشاف الحلول التقنية للمشاكل السياسية. وبالتالي يمكن التمييز بين العلاقات العلمية والتكنولوجية التي تحدث دون تدخل الحكومة والدبلوماسية العلمية عندما يحاول المسؤولون الحكوميون تشكيل العلاقات وتحفيزها لتعزيز المصالح المحلية.
في كتابها القوة الناعمة سموم في أواني الجاذبية، أشارت الدكتورة رشا يحيى إلى أنه يجب أن نستفيد من تجارب الدول التي استخدمت القوة الناعمة بما يحقق اهدافنا. ذكرت أن المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال ايرلندا ظلت لأعوام ضمن أقوى خمس دول في العالم في مجال القوة الناعمة حيث استغلت بريطانيا احتفالها باليوبيل الماسي والألعاب الأولمبية في عام 2012م، لجذب الناس من كافة ارجاء العالم لزيارة بريطانيا والاستفادة من الفرص الاستثمارية فيها والدراسة في جامعاتها بهدف تعزيز الهوية البريطانية “بريطانيا العظمى”.
كما اشارت في كتابها إلى فرنسا واعتبار الثقافة الفرنسية هي واحدة من أبرز دعائم القوة الناعمة في فرنسا وتعد جامعة السوربون ومتحف اللوفر من معالم القوة الناعمة الفرنسية بالإضافة إلى العلامات التجارية في مجال تصميم الأزياء وإنتاج العطور ومستحضرات التجميل والمجوهرات. والقوة الفكرية التي تمثلها فرنسا والتي حصدت من خلالها العديد من جوائز نوبل في مجالات الادب والطب والكيمياء والفيزياء والسلام والاقتصاد.
أما المانيا فقد اشارت الكاتبة إلى المساهمات التي قدمتها المانيا في نواحي شتى في الثقافة والعلوم المختلفة والصناعات الصديقة للبيئة ومجال الطاقة المتجددة والألعاب الرياضية والمنح الدراسية التي تقدمها للطلاب على مستوى العالم من خلال الهيئة الألمانية للتبادل الطلابي والفعاليات الثقافية والمعارض على مدار العام. ويعد الانضباط والالتزام واحترام القانون من سمات الشخصية الألمانية.
استطاعت اليابان أن تكون أول دولة اسيوية تدخل ضمن قائمة أفضل 10 دول في تقرير القوة الناعمة حيث أرادت اليابان تحسين صورتها في المجتمع الدولي وتعزز من اقتصادها وبخاصة بعد ما حدث لها من دمار بسبب الحرب العالمية الثانية.
كما عمدت اليابان إلى التركيز في مجال التصنيع حيث استطاعت نشر منتجاتها من السيارات مثل تويوتا ونيسان ومازدا وسوزوكي وسوبارو وليكزس والصناعات الالكترونية مثل سوني وتوشيبا وباناسونيك وكانون حول العالم. وكانت جودة المنتجات اليابانية هي السمة المميزة لأي منتج صنع في اليابان. وقامت اليابان بإنشاء صندوق “كول يابان” من شأنه تسويق للهوية المحلية اليابانية والقيام بدعم مجالاتها الاستراتيجية في المحتوى الإعلامي والخدمات والطعام والازياء حتى أسلوب الحياة. وتسعى اليابان إلى تسليط الضوء على أماكن وقصص من شأنها أن تعكس الثقافة اليابانية من خلال اطلاقها هاشتاج “اليابان المجهولة”.
حرصت روسيا الاتحادية على تطوير قدراتها الصلبة والعسكرية التي تتنافس بها مع الولايات المتحدة كما انها أولت اهتمام إلى القوة الناعمة ومنها الموقع الروسي “روسيا اليوم” الذي ينافس شبكة الاخبار البريطانية “بي بي سي” وشبكة “سي إن إن” الأمريكية. وتشهد روسيا حضوراً في مجالات الثقافة الكلاسيكية مثل البالية والموسيقى والأدب بالإضافة الى الرسوم الكاريكاتورية والرسوم المتحركة.
تدرك الصين أن القوة الناعمة للدولة ربما تكون أهم من القوة العسكرية وأن التواصل مع الثقافات والشعوب المختلفة يعد من أهم دعائم تميز العلاقات الدولية.
يشتهر معهد كونفوشيوس في جميع انحاء العالم لتعليم اللغة الصينية وتسعى الصين من خلال قنواتها الفضائية ووسائلها الإعلامية المختلفة إلى تقديم موادها بلغات مختلفة وتغطي الأحداث في جميع ارجاء العالم وتبذل الصين مجهوداً لدعوة الإعلاميين والطلاب وحتى الأكاديميين والمسؤولين الحكوميين لزيارة الصين والتعرف على حضارتها والتواصل مع قرنائهم ونشر الثقافة الصينية.
تزايدت القوة الناعمة للصين من خلال اطلاقها لعدة مبادرات منها ” الحلم الصيني”، و “حلم اسيا والمحيط الهادي” و “ملاحة طريق الحرير للقرن الحادي والعشرين” و”الحزام الأخضر لطريق الحرير”. وتشتهر الصين برياضات الدفاع عن النفس وكذلك بالفنون الجميلة والفنون المسرحية والسينما والهندسة المعمارية ولها تراث حضاري صيني يعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
تكتسب الدبلوماسية العلمية أهمية على المستوى العالمي لما لها من مزايا حيث أنها تمثل أداة من أدوات القوة الناعمة وتشكل واحدة من أكثر العناصر التي تفرض نفسها في الدبلوماسية العامة والعلاقات الدولية. ومن جهة أخرى فان التعاون العلمي يمثل قناة اتصال فعّالة وجسر للتعاون للعلاقات الدبلوماسية الدولية

